
لم تكن الجولات المكوكية التي قام بها رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى مصر والمملكة العربية السعودية مجرد تحركات دبلوماسية روتينية، بل جاءت محملة بإشارات ثقيلة ورسائل غير معلنة، تعكس حجم التحولات الجارية في الإقليم. فالتوقيت وحده كافٍ ليكشف أن ما يجري يتجاوز المجاملات السياسية إلى إعادة ترتيب كاملة لملف السودان ضمن معادلات إقليمية ودولية جديدة.
التقارب المتسارع بين الخرطوم والرياض أحدث ارتباكًا واضحًا في حسابات القاهرة، التي شعرت بأن أحد أهم ملفات نفوذها التقليدية بدأ ينزلق من بين يديها. هذا الإحساس دفع مصر إلى التحرك السريع للحاق بالمشهد، في محاولة لإعادة السودان إلى دائرة التأثير القديمة، ومنع تشكل واقع إقليمي يُدار من دونها أو على حساب دورها.
في ظل هذا المشهد، تبرز السعودية كلاعب محوري أُسندت إليه مهمة إدارة ملف السودان، في إطار تقاطع مصالح واضح مع واشنطن، التي ترى في استقرار البحر الأحمر والقرن الإفريقي أولوية استراتيجية. الرياض دخلت هذا الملف بعقلية الدولة الكبرى، مدركة أن التردد سيقود إلى الفوضى، وأن القرارات الصعبة، مهما كانت مؤلمة، تظل أقل كلفة من ترك السودان ينزلق نحو المجهول.
المؤشرات السياسية تتحدث عن مفاجأة قادمة، تتشكل ملامحها في الرياض، تمر عبر القاهرة، لتستقر في الخرطوم. مفاجأة قد تكون صادمة للرأي العام السوداني، وقد تُقابل برفض وغضب، لكنها في منطق السياسة الدولية تبدو وكأنها خيار إجباري فُرض بفعل الانهيار الداخلي وغياب القرار الوطني الموحد. في مثل هذه اللحظات، لا يُسأل الضعفاء عن آرائهم، بل يُطلب منهم التوقيع.
استمرار السودان في حالة التفكك أو تحوله إلى دولة فاشلة ليس خطرًا داخليًا فحسب، بل تهديد مباشر للأمن الإقليمي بأكمله. فالسودان بحكم موقعه وحدوده البرية والبحرية الواسعة، يشكل خاصرة رخوة لجيرانه، وأي انفجار داخلي سيُصدّر الفوضى إلى محيطه، من سلاح ومليشيات وهجرة غير شرعية واضطرابات أمنية عابرة للحدود.
الأخطر من ذلك أن ما يجري لا يبدو عشوائيًا أو وليد اللحظة، بل أقرب إلى مخطط مُحكم تُدار تفاصيله بهدوء وبراغماتية قاسية. في عالم المصالح، لا مكان للدول المترددة أو الغارقة في صراعاتها الداخلية، ومن يترك فراغًا في سيادته سيجد الآخرين يتسابقون لملئه دون تردد.
الخرطوم تتحمل قدرًا كبيرًا من المسؤولية، فقد أضاعت فرصًا ثمينة خلال السنوات الماضية كان يمكن أن تعيد بها ترتيب أوراقها وتحصّن موقفها. لكنها اختارت طريق الانقسام والرهانات الخاطئة، لتجد نفسها اليوم خارج دائرة الفعل، مجرد ساحة تُدار فوقها الصفقات بدل أن تكون طرفًا فيها.
الطبقة السياسية السودانية، بكل أطيافها، مطالبة اليوم بقراءة الواقع كما هو لا كما تتمنى، وبالتخلي عن الشعارات الجوفاء والمزايدات الوطنية التي لم تجلب سوى المزيد من العزلة والضعف. فالدول لا تُدار بالعواطف، والسيادة لا تُحمى بالخطب، بل بامتلاك القرار والقدرة على فرضه.
إذا لم تفق الخرطوم الآن، فإن مصيرها سيُكتب بأقلام الآخرين، وستُفرض عليها تسويات لا تُرضي أحدًا، لكنها ستُمرر تحت لافتة الاستقرار ومنع الانهيار. وفي السياسة، من لا يجلس على الطاولة، لا يُستشار، بل يُقدَّم كملف جاهز للحسم.
السودان يقف اليوم تحت مشرط الإقليم، بين خيار استعادة وعيه والعودة لاعبًا في تقرير مصيره، أو الاستمرار في الغياب حتى يصبح مجرد بند ثانوي في حسابات العواصم الكبرى. وفي لحظات كهذه، لا مجال للحياد، ولا وقت للتردد.



